ابن الجوزي
337
زاد المسير في علم التفسير
يقال : توفيت ، واستوفيت ، كما يقال : تيقنت الخبر ، واستيقنته ، ثم قيل للموت : وفاة ، وتوف . وأنشد أبو عبيدة : إن بني الأدرد ليسوا من أحد * ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد ولا توفاهم قريش في العدد أي : لا تجعلهم وفاء لعددها ، والوفاء : التمام . وفي هذا التوفي قولان : أحدهما : أنه الرفع إلى السماء . والثاني : أنه الموت . فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيما من غير تقديم ولا تأخير ، ويكون معنى " متوفيك " قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن ينال منك اليهود شيئا ، هذا قول الحسن ، وابن جريج ، وابن قتيبة ، واختاره الفراء ومما يشهد لهذا الوجه قوله [ تعالى ] : ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) ، أي : رفعتني إلى السماء من غير موت ، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه ، لا بعد موته . وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير ، وتقديره : إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ، ومتوفيك بعد ذلك ، هذا قول الفراء ، والزجاج في آخرين . فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعه إلى السماء لا يمنع من موته . قال سعيد بن المسيب : رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . وقال مقاتل : رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان . وقيل : عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين . ويقال : ماتت قبل رفعه . قوله [ تعالى ] : ( ومطهرك من الذين كفروا ) فيه قولان : أحدهما : أنه رفعه من بين أظهرهم . والثاني : منعهم من قبله . وفي الذين اتبعوه قولان : أحدهما : أنهم مسلمون من أمة محمد عليه السلام ، لأنهم صدقوا بنبوته ، وأنه روح الله وكلمته ، هذا قول قتادة ، والربيع ، وابن السائب . والثاني : أنهم ، النصارى ، فهم فوق اليهود ، واليهود مستذلون مقهورون ، قاله ابن زيد . قوله [ تعالى ] : ( فيما كنتم فيه تختلفون ) يعني الدين . فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ( 56 ) قوله تعالى : ( فأما الذين كفروا ) قيل : هم اليهود والنصارى ، وعذابهم في الدنيا بالسيف والجزية ، وفي الآخرة بالنار .